Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
بلوغ رشاد العرفاوي

الرهانات الوطنيّة الحالية والاستقلالية النقابية

26 Juillet 2009 , Rédigé par Rached Arfaoui Publié dans #الإتحاد العام التونسي للشغل

الرهانات الوطنيّة الحالية والاستقلالية النقابية

" الاتحاد مستقلّ و الشغيلة هي الكلّ" هذا الشعار يعرفه كل من يتابع التظاهرات النقابية سواء خلال التجمعات التي تلتئم في ساحة محمد علي أو في الاجتماعات العامة و المؤتمرات التي تعقدها هياكل الاتحاد بصفة منتظمة منذ تأسيس الاتحاد في سنة 1946 من القرن الماضي على يدي فرحات العظيم و رفقائه. و طبعا عندما نتحدث عن استقلالية الاتحاد فذلك يعني بالتحديد استقلالية قراره بالنسبة للقيادة السياسية التي تمارس الحكم في البلاد و بالنسبة للأحزاب - في الحكم كما في المعارضة- التي تُنشّط الحياة السياسية في شتى مظاهرها. و إذا كان استقلال الاتحاد أمرا مفروغا منه فذلك لا يعني أن النقابيين المنضوين تحت لوائه ينتمون بالضرورة إلى نفس التيار الفكري و السياسي بل هم، و على عكس ذلك، يحملون أفكارا متنوعة و في بعض الأحيان متباينة عندما يتعلق الأمر بالشأن السياسي. و هذه ميزة و خصوصية الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تمكّن منذ تأسيسه من تجميع الشغالين على اختلاف مشاربهم حول الموقف النقابي الموحّد دون أن يؤدي ذلك إلى طمس التنوع الفكري الذي كان طوال العقود الماضية لا فقط مصدر إثراء و حيوية في صلب المنظمة ، بل و كذلك حجة قوية بررت إلى حدود السنوات الأخيرة التشبث بالاتحاد كممثل وحيد للشغالين و رفض التعددية النقابية لأسباب مختلفة يتشابك فيها الموضوعي بالعاطفي...

على أن هذه الصورة لا تنطبق دوما على الواقع المعيش حيث مرّت المنظمة الشغيلة بفترات كانت مواقف قيادتها أقرب إلى لانسجام مع موقف الماسكين بالحكم و الحزب الحاكم منها إلى الاستقلالية. و لئن كان لمثل هذه المواقف ما يبررها خلال معركة التحرير وما تطلبته من توحيد الكلمة لمواجهة المستعمر أولا، ثم غداة الاستقلال عندما ساهم الاتحاد من خلال رموزه في تسيير البلاد و ضبط الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية للحكومة ثانيا، فإننا اليوم في وضع يختلف تماما عن وضع البلاد في الخمسينات و الستينات:
إنّ نظام الحزب الواحد - على الأقل نظريا و شكليا- ولّى رغم أننا مازلنا نعاني من مخلفاته و سلوكياته، فالنظام تعددي والساحة السياسية تعجّ بالتنوع في الرؤى و البرامج.

إن الاتحاد خاض منذ نهاية السبعينات معارك حامية كلفته تضحيات جسيمة من أجل تكريس استقلالية القرار النقابي، و لا يقبل أي مناضل نقابي عاش تلك النضالات أن يتنكر لها أو أن تُمحى من الذاكرة الجماعية و من التاريخ المشعّ للاتحاد.
إنّ سياسة الحكومة و خياراتها الاقتصادية و الاجتماعية تغيرت بالمقارنة مع السياسات السابقة التي كانت معتمدة على مبدأ إعادة التوزيع، و ليس من التجني -لأنّ الأرقام و الإحصائيات الرسمية تؤكد ذلك- القول بأن هذه الخيارات أدت إلى تفاقم الفوارق بين الشرائح الاجتماعية وإلى تدهور القدرة الشرائية للأجراء و إلى تنامي هشاشة وضع الشغالين..و في نهاية المطاف إلى توزيع غير عادل للثروة الوطنية على حساب الأجراء..

و أمام هذا الوضع الجديد لن يكون من اليسير على قيادة الاتحاد أن توفق بين أهداف تبدو متناقضة. فكيف تبقي على علاقاتها الوفاقية مع السلطة و تكون في نفس الوقت في انسجام مع قواعدها المتنوعة و المتشبثة باستقلالية القرار؟ طبعا لا يدور بخلد عاقل أن يزجّ بالاتحاد - اليوم أو غدا- في مواجهة لا مرتكز لها و لا طائل من ورائها ضدّ السلطة ، و في نفس الوقت لا يقبل أي وطني غيور أن يتنكر الاتحاد للمهامّ التي تحمّلها طوال عقود طويلة و في أحلك الظروف ألا وهي الدفاع عن الحريات و المطالبة بالديمقراطية التي سيكون الشغالون أوّل المستفيدين منها.

طرحنا كل هذه التساؤلات ليلة اجتماع الهيئة الإدارية للاتحاد حيث تفيد بعض المعلومات أن جدول أعمالها يتضمن مسألة الانتخابات الرئاسية و التشريعية القادمة و ما تستوجب من موقف. و اعتقادنا أن المكانة التي يُحظى بها الاتحاد تفرض عليه أن يكون في مستوى ما تتطلبه المرحلة و أن يدفع في اتجاه تجسيم الديمقراطية التعددية و إرساء تقاليد المنافسة النزيهة حيث تتساوى الحظوظ بين المشاركين فيها.

إنّ الموقف الذي اتخذه الاتحاد بخصوص انتخابات 2004 ترك لدى المناضلين من أجل الحريات و لدى المواطنين ارتساما سلبيا وأفقد المنظمة الشغيلة جزءا هاما من مصداقيتها. و اليوم للاتحاد خيار بين موقفين، إما الحياد المشرّف الذي يحدد موعدا مع التاريخ و إما الانحياز "باسم الواقعية"، و ربما يخدم هذا الانحياز بعض المصالح الظرفية و لكنه يُعطّل و لا شكّ مسيرة البلاد نحو الانتقال الديمقراطي.

د.مصطفى بن جعفر

صحيفة مواطنون الصادرة في 15 جويلية 2009

 

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article